محمد هادي معرفة

202

التمهيد في علوم القرآن

انصرفوا ، ولكن من غير أن ينقضي عجبهم أو يرتوي ظمؤهم إلى استماع هذا الكلام السحريّ العجيب ، ومن ثمّ عادت مسيرتهم في الليلة الثانية والثالثة ، وفي كلّ ليلة يفتضحون عند الصباح ، حتى تعاهدوا فيما بينهم أن لا يعودوا أبدا . وفي صباح اليوم الثالث جاء الأخنس إلى أبي سفيان يسترئيه فيما سمعه من محمد ( صلى اللّه عليه وآله ) فقال : « واللّه لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها ، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها ! » فقال الأخنس وأنا كذلك ، والذي حلفت به ! ثمّ رجع إلى أبي جهل ودخل عليه وقال : يا أبا الحكم ، ما رأيك فيما سمعت من محمد ( صلى اللّه عليه وآله ) فقال : ما ذا سمعت ! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف ، أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تجاذينا على الرّكب وكنّا كفرسي رهان ! والآن قالوا : منّا نبيّ يأتيه الوحي من السماء ، فمتى ندرك مثل هذه ! واللّه لا نؤمن به أبدا ولا نصدّقه . فقام عنه الأخنس وتركه ! « 1 » . هكذا تحكّم الحسد والعصبيّة في نفوس قريش ، فحال دون قبولهم للحقّ الصريح ، فأخزاهم اللّه . قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ « 2 » . كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ « 3 » . فصحاء قريش تحاول معارضة القرآن : ذكر أبو الحسن ابن رشيق القيرواني ( توفي سنة 456 ) بشأن ما يعين على جيّد الشعر - وأنّ الطعام الطيّب ، والشراب الطيّب ، وسماع الغناء ممّا يرقّ الطبع ، ويصفّي المزاج ، ويعين على الشعر - : أنّ قريشا لمّا أرادت معارضة

--> ( 1 ) ابن هشام : ج 1 ص 337 - 338 . ( 2 ) آل عمران : 119 . ( 3 ) المجادلة : 21 .